الشيخ السبحاني
55
مفاهيم القرآن
* 2 . الفطرة هي الهادية إلى اللَّه وليس التعليم يستيقظ الشعور الديني في باطن كل إنسان - تماماً - كبقية الأحاسيس الباطنية دون معلم ودون إرشاد أو توصية من أحد . فكما يحس الإنسان باطنياً وذاتياً في فترة من فترات حياته أو في كل الفترات بميل شديد إلى أُمور كالجاه أو الثروة أو الجمال أو الجنس وذلك تلقائياً ودون تعليم معلم ، كذلك يستيقظ في باطنه « ميل إلى اللَّه » وإحساس تلقائي يدفعه بدون إرادته إلى التفتيش عنه ، وهو إحساس يتعاظم ويتزايد ويظهر ويتجلّى أكثر فأكثر أثناء البلوغ حتى أنّ علماء النفس يتفقون في أنّ بين « أزمة البلوغ » و « القفزة المفاجئة في المشاعر الدينية » في الفرد ارتباطاً وتلازماً لا ينكر . ففي هذه الأوقات نشاهد نهضة قوية ، واندفاعة شديدة في الشعور الديني حتى عند أُولئك الذين كانوا قبل تلك الفترة غير مكترثين بالدين وقضايا الإيمان . ويبلغ الشعور الديني ذروته في سن السادسة عشرة حسب نظرية « استانلي هال » . وأمّا الأشخاص الذين سبق لهم أن تلقّوا تربية دينية في عهد الطفولة ، فلا توجد لديهم مثل تلك النهضة المفاجئة ، بل يمتد الشعور الديني الموجود قبل البلوغ إلى ذلك الوقت دونما مفاجأة . إنّ ظهور الميل المفاجئ إلى الدين وإلى اللَّه ومسائل الإيمان دون تعليم أو توجيه ، لهو أحد الدلائل القاطعة على فطرية هذا الأمر ، وكون هذا الإحساس يظهر فطرياً شأن بقية الأحاسيس الإنسانية الفطرية الأُخرى .